تحديات الإمامة والخطابة في البلاد غير العربية: تجارب وتأملات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن من أعظم ما يواجه الإمام والداعية في البلاد غير العربية كتركيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، عقبة اللغة وما يترتب عليها من إشكالات في إيصال المعنى الشرعي إلى المأمومين والمستمعين على اختلاف أعراقهم وأعمارهم. فالمسجد الواحد قد يجمع تحت سقفه العربي والتركي والباكستاني والبوسني والمهتدي حديثاً من أبناء البلد، وكلٌّ منهم يحمل تصوراً مختلفاً عن الخطبة المثلى وعن طريقة إقامة الشعائر. ومن خلال تجربتي في إمامة أحد المساجد في مدينة كولونيا الألمانية لما يقارب سبع سنوات، لاحظت أن الخطبة باللغة العربية وحدها لم تعد كافية، بل صار لزاماً على الخطيب أن يقدم ملخصاً وافياً باللغة المحلية أو الإنجليزية، مع مراعاة أن لا يطيل فيُمل، ولا يقصر فيُخل. وقد اتبع كثير من الأئمة طريقة الخطبة الأولى بالعربية والثانية بالألمانية، وهي وإن كانت محل خلاف فقهي، إلا أن الحاجة تدعو إليها في كثير من الأحيان. وثمة إشكال آخر يتعلق بالاندماج مع التقاليد المحلية للمساجد، كاختلاف أوقات الصلاة، وطريقة الأذان، ومسائل القنوت في الفجر، وعدد ركعات التراويح. فالمسجد الذي يديره الأتراك له منهج، والذي يديره المغاربة له منهج آخر، والإمام الجديد قد يجد نفسه بين مطرقة عاداته الفقهية وسندان تقاليد المسجد المستقرة منذ عقود. أطرح هذا الموضوع للنقاش راجياً من الإخوة الأئمة والدعاة الذين خاضوا هذه التجربة أن يشاركونا خبراتهم وما توصلوا إليه من حلول عملية، خاصة فيما يتعلق بإعداد الخطب الموجهة لجمهور مختلط الأعمار والأعراق، وكيفية الحفاظ على الهوية الشرعية مع مراعاة الواقع المعاش. والله الموفق لكل خير.
