المقاصد الكبرى في سورة الحجرات: دراسة في بناء المجتمع المسلم على ضوء آيات الأخوة
الحمد لله الذي أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، أما بعد: فإن سورة الحجرات من أعظم سور القرآن في تأسيس قواعد الاجتماع الإسلامي، وقد لاحظ المفسرون قديماً وحديثاً أنها سورة 'الآداب' بامتياز، حتى قال ابن عاشور رحمه الله في 'التحرير والتنوير': 'إن هذه السورة جمعت من أصول الآداب الجامعة بين المسلمين ما لو تأمله المتأمل لرأى أن صلاح المجتمع كله منوط بها'. وقد عقدتُ هذا البحث لاستخراج المقاصد الكبرى التي تنتظم آيات السورة الثماني عشرة، مستعيناً بتفسير الطبري والقرطبي وابن كثير والبقاعي في 'نظم الدرر'. وقد توصلتُ إلى أن السورة تنتظم على خمسة مقاصد كبرى: أولها تعظيم مقام النبوة وتوقير المصطفى صلى الله عليه وسلم، وذلك في مفتتحها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، وقد أحسن البقاعي في كشف المناسبة بين هذه الآية وما بعدها من النهي عن رفع الصوت فوق صوته، فإن الكل يرجع إلى تعظيم جنابه الشريف. والمقصد الثاني: التثبت في الأخبار، وهو في قوله {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}، وقد استنبط منها الأصوليون قاعدة عظيمة في رد خبر الفاسق، وبنى عليها ابن حجر في 'نخبة الفكر' بحث الفسق وأثره في الرواية. والمقصد الثالث: الإصلاح بين المتنازعين، وهو في آيتي القتال بين الطائفتين، وقد قرر القرطبي أن فيها أصلاً عظيماً في فقه السياسة الشرعية وردع البغاة. والمقصد الرابع — وهو لب السورة — تأسيس الأخوة الإيمانية ونفي ما يضادها من السخرية واللمز والتنابز والظن والتجسس والغيبة، وقد جمع الله في آيتين كريمتين ست خصال يهلك بها المجتمع، وهذا من إعجاز القرآن في الإيجاز البديع. والمقصد الخامس: تقرير ميزان التفاضل الحقيقي بين الناس وهو التقوى لا الأنساب، في قوله {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. وقد ظهر لي من خلال هذا الاستقراء أن السورة تتدرج تدرجاً بديعاً من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم إلى تعظيم الأخوة بين المؤمنين إلى تعظيم ميزان الله العدل في تفاضل الخلق، وكأنها بناء متكامل لا يستغني فيه طابق عن طابق. والله أعلم وأحكم.
