تأملات في تلاوة القرآن الكريم: مدارس الأداء وإمامة التراويح وتربية الحفاظ في عصرنا
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم وعلى آله وصحبه أهل التقى والكرم، أما بعد: فإن تلاوة كتاب الله تعالى من أشرف العبادات وأجلِّها، وقد اختصها الله بفضائل لا تحصى، وجعل لأهلها في الآخرة منازل عالية. وإن المتأمل في حال أمتنا اليوم يلحظ يقظة مباركة في الإقبال على القرآن حفظاً وتلاوةً وتجويداً، ولكنه يلحظ في الوقت نفسه إشكالات تربوية ومنهجية تحتاج إلى وقفات جادة من أهل العلم والاختصاص. ومن المسائل التي أحب طرحها للنقاش، اختلاف مدارس الأداء بين قراءة التحقيق التي يُعنى فيها بإخراج الحروف من مخارجها وإعطائها حقها ومستحقها، وقراءة الحدر التي يُسرع فيها مع المحافظة على أحكام التجويد، والقراءة بالمقامات التي شاع استعمالها عند بعض الأئمة في صلاة التراويح. فأيها أنفع للمأمومين وأقرب إلى هدي السلف؟ وهل يصح للإمام أن يتكلف المقامات إذا كان ذلك يخل بخشوعه أو يشغل المأمومين؟ أما إمامة التراويح فحديث ذو شجون، فإن بعض الأئمة الشباب وفقهم الله صاروا يُسرعون إسراعاً يُخل بأركان الصلاة من الطمأنينة والركوع والسجود، حرصاً على ختم القرآن في عشرين أو ثلاثين ليلة، فيقع المأمومون في حرج عظيم. وقد سمعت من بعض الفضلاء قول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله إن السنة في التراويح الترتيل لا الإسراع، وأن إدراك المعاني أولى من إدراك الختمات. وأما تربية الحفاظ الصغار في عصرنا فهي معضلة كبرى تحتاج إلى تظافر الجهود؛ فالمناهج الدراسية الثقيلة، والمشتتات الإلكترونية، وضعف اللغة العربية عند كثير من الأسر، كلها عقبات تجعل تخريج الحافظ المتقن أصعب مما كان عليه في السابق. أتمنى من الإخوة المشايخ والمعلمين أن يتفضلوا بمشاركتنا تجاربهم في هذا الباب، وما رأوه نافعاً من الوسائل التربوية الحديثة دون إخلال بالأصول التراثية المعتبرة. وفق الله الجميع لحفظ كتابه والعمل به.
