العلاقة بين المصلحة المرسلة وسد الذرائع: تحرير وجوه الاتفاق والافتراق عند الإمامين مالك والشاطبي
الحمد لله الذي شرع لعباده أحكم الشرائع، وأبان لهم سبل الحق بأوضح المنارات، والصلاة والسلام على نبيه القائل 'لا ضرر ولا ضرار'، أما بعد: فإن من المباحث الدقيقة في علم أصول الفقه، التي كثر فيها الخلط بين المتأخرين، مبحث 'المصلحة المرسلة' و'سد الذرائع'، فقد ظن طائفة من الباحثين أنهما بابان متطابقان أو متلازمان، والحق أن بينهما عموماً وخصوصاً وجهياً، فهما يجتمعان في كون كل منهما طريقاً اجتهادياً يثبت به الحكم الشرعي بالنظر إلى المآل، ويفترقان في وجهة النظر ومحل الإعمال. وقد عقد الإمام الشاطبي رحمه الله في 'الموافقات' و'الاعتصام' كلاماً نفيساً في تحرير المصلحة، وقرر أن المصالح المعتبرة شرعاً هي ما شهد لها الشرع بأصل كلي وإن لم يدل عليها نص جزئي، وأن هذا هو مذهب الإمام مالك ومن وافقه. أما 'سد الذرائع' فقد قرر ابن القيم في 'إعلام الموقعين' أنها أصل عظيم بنى عليها مالك وأحمد كثيراً من الفروع، وهي: حسم مادة الفساد قبل وقوعه بمنع ما يُفضي إليه ولو كان مباحاً في أصله. ومن أبرز الفروق بينهما: أن المصلحة المرسلة نظر إلى تحقيق المصلحة ابتداءً بإثبات حكم لم يرد فيه نص، كجمع الصحابة المصحف وضرب النقود وتدوين الدواوين، وأما سد الذرائع فنظر إلى دفع المفسدة المتوقعة بمنع ما يُتوصل به إليها، ولو كان أصله مشروعاً، كنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين لئلا يقول الناس 'إن محمداً يقتل أصحابه'. وقد لاحظ شيخ الإسلام ابن تيمية في 'مجموع الفتاوى' أن الفقهاء جميعاً يعملون بسد الذرائع في الجملة، وإنما الخلاف في حدّه والتوسع فيه، فالمالكية والحنابلة أوسع الناس في إعماله، والشافعية والحنفية أضيق منهم، وإن كان كل منهم لا يستغني عنه. وهذا تحرير دقيق يرفع كثيراً من إشكالات المقارنة بين المذاهب. وأخلص في هذا البحث إلى أن الجمع بين الأصلين شرط في صحة الاجتهاد المقاصدي، فإن من اقتصر على المصلحة المرسلة دون سد الذرائع وقع في التساهل، ومن اقتصر على سد الذرائع دون رعاية المصلحة وقع في التشديد والحرج. والشريعة جاءت بجلب المصالح ودرء المفاسد جميعاً، كما قرر العز بن عبد السلام في 'قواعد الأحكام'. والله أعلم.
