تحرير منهج المتأخرين في تعليل الأحاديث: دراسة مقارنة بين منهج ابن حجر والذهبي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، أما بعد: فإن من أدق علوم السنة وأشرفها علم العلل، وقد عُدّ من أصعب فنون الحديث على الإطلاق، حتى قال ابن المديني رحمه الله: 'معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث'، ونحوه عن الإمام أحمد. وقد أردتُ في هذه الورقة البحثية أن أحرر مسألة دقيقة طالما اشتبهت على طلاب العلم، وهي: الفرق بين منهج المتقدمين كالإمام أحمد وابن المديني والبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة، ومنهج المتأخرين الذين توسعوا في تصحيح الأحاديث بمجرد ثقة الرواة وسلامة ظاهر الإسناد. وقد توصلتُ بعد استقراء طائفة من المرويات في 'فتح الباري' لابن حجر، و'سير أعلام النبلاء' و'تلخيص المستدرك' للذهبي، إلى أن الحافظ ابن حجر رحمه الله كان أقرب إلى منهج المتقدمين في كثير من تطبيقاته، خاصة حين يعرض لإعلال الأحاديث بالقرائن الخفية كتفرد الراوي ومخالفته لمن هو أوثق منه، بخلاف الذهبي الذي مال في 'التلخيص' إلى التساهل في موافقة الحاكم في كثير من المواضع، وإن كان قد استدرك عليه في غيرها. ومن لطيف ما وقفتُ عليه أن ابن حجر في 'النكت على ابن الصلاح' قرر أن الحكم على الحديث بالصحة لا يكون بمجرد اتصال السند وعدالة الرواة، بل لا بد من انتفاء الشذوذ والعلة القادحة، وهذا هو عين ما قرره ابن رجب في 'شرح علل الترمذي' عن الأئمة المتقدمين. غير أن التطبيق العملي يكشف أن المتأخرين تأثروا بالقواعد النظرية التي قعدها الخطيب البغدادي في 'الكفاية' فاكتفوا بظاهر الإسناد في الغالب. وقد ضربتُ في البحث أمثلة تطبيقية من حديث 'النهي عن بيع الولاء وهبته'، وحديث 'صلاة التسبيح'، وبيّنتُ كيف اختلفت أنظار المتقدمين والمتأخرين في الحكم عليهما، وأن كثيراً مما صححه المتأخرون قد أعله المتقدمون بعلل خفية لا يدركها إلا من سبر طرق الحديث وجمع رواياته. وأختم بأن الواجب على طالب علم الحديث اليوم أن يجمع بين الأمرين: الاطلاع على القواعد النظرية التي قررها المتأخرون لضبط الفن، والرجوع إلى أحكام الأئمة النقاد من المتقدمين في الأحاديث المعينة، فإنهم أعرف بعلل الأخبار وأعمق نظراً في خفايا الأسانيد. والله أعلم.
