بين التشديد والتيسير في الفتوى: أين يقف الإمام؟
يواجه الإمام والمفتي في كل يوم سؤالاً يتردد بين شدّ ورخاء، وكلما أجبتُ سائلاً وجدتُ نفسي أمام معادلة دقيقة: هل أُفتيه بالأحوط حفاظاً على دينه، أم أُفتيه بالأيسر رفعاً للحرج عنه؟ وقد ترددتُ كثيراً في هذه المسألة حتى استقر عندي أن المسألة ليست "تشديداً" مقابل "تيسيراً"، بل هي فقهٌ في فهم حال السائل أولاً، ثم فقهٌ في النص ثانياً. رأيتُ من الأئمة من يفتي بالأشد دائماً، ويرى أن في ذلك براءةً للذمة، وأن "من احتاط فقد سلم". وفي المقابل، رأيتُ من يتساهل في الفتوى ظناً منه أن التيسير مطلوب لذاته، فتراه يُفتي بأقوال شاذة باسم "رفع الحرج". وأرى أن كلا المسلكين فيه خلل، فالأول يُنفّر الناس من الدين، والثاني يُذيب الأحكام الشرعية. الذي تعلّمتُه من شيوخي رحمهم الله أن الفتوى تتغير بتغير حال السائل: فالعامي الجاهل ليس كالمتعلم، والمبتدئ في الالتزام ليس كالراسخ، والمريض ليس كالصحيح. وقد قال سفيان الثوري رحمه الله: "إنما الفقه الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيُحسنه كل أحد". هذه الكلمة ينبغي أن تُكتب على جدار كل مفتٍ. أطرح على الإخوة الأفاضل: ما ضوابط التيسير عندكم؟ وكيف تتعاملون مع السائل العامي الذي قد يُفهم التيسير معه على أنه تساهل؟ وهل ترون أن "سدّ الذرائع" مقدَّم على "رفع الحرج" في زماننا، أم العكس؟
