منهج الدعوة بين الأصول الشرعية والوسائل المعاصرة: دراسة تأصيلية مقارنة
الحمد لله الذي بعث رسوله بالهدى ودين الحق، وأمر بالدعوة إليه على بصيرة، والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل: «بلّغوا عني ولو آية»، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد: فإن الدعوة إلى الله تعالى من أشرف المقامات وأرفع الدرجات، وقد قال سبحانه: {ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين}. ومن المقرر عند العلماء أن للدعوة أصولًا ثابتة لا تتبدل، ووسائل متجددة تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة. وفي هذا البحث المختصر نحاول الموازنة بين منهج السلف في الدعوة والمناهج المعاصرة، تأصيلًا لا تقليدًا. أما الأصول الثابتة فهي مستقاة من قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}. فالحكمة وضع الشيء في موضعه، والموعظة الحسنة تليين القلوب، والمجادلة بالتي هي أحسن مراعاة لمقام المخاطب. وقد فصّل الإمام ابن القيم في مدارج السالكين وزاد المعاد هذه المراتب الثلاث تفصيلًا بديعًا، وبيّن أن الداعية الموفق هو من يعرف لكل مقام مقالًا. وأما الوسائل المعاصرة فقد تنوعت تنوعًا مذهلًا: من الفضائيات إلى المنصات الرقمية، ومن المحاضرات المسجلة إلى الدروس المرئية المباشرة. والإشكال ليس في الوسيلة ذاتها، فإن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، وإنما الإشكال في أمرين: الأول: تجريد الدعوة من المضمون العلمي الرصين، والاكتفاء بالعاطفة والإثارة. والثاني: التركيز على الكم دون الكيف، فيُحسب النجاح بأعداد المتابعين لا بأثر الدعوة في إصلاح القلوب. وقد أحسن الإمام ابن تيمية رحمه الله حين قرر أن الدعوة لا بد فيها من علم وحلم وصبر، وهذه الثلاثية صالحة لكل عصر، تُبنى عليها الوسائل أيًا كانت. كما أن الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره أبدع في بيان آداب الداعية وأخلاقه التي ينبغي أن تكون قبل الكلام، فإن السلوك أبلغ من المقال. وخلاصة القول: إن الجمع بين أصالة المنهج وحداثة الوسيلة هو السبيل القويم. ولا ينبغي للداعية المعاصر أن يحتقر القديم لقدمه، ولا أن يرفض الجديد لجدّته، بل يأخذ من الأول روحه ومضمونه، ومن الثاني وعاءه وأدواته، ليبلغ دعوته إلى الناس على وجه يرضي الله تعالى ويثمر في الواقع.
